ذهب لبنان: أصلٌ وطنيّ أم صندوقٌ للإنقاذ؟ -- Jun 09 , 2026 24
بعد الأزمة عام 2019، أصبح ذهب المصرف المركزي في واجهة النقاش المالي في لبنان، وذلك مع استمرار التعثّر في إقرار خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة خسائره. لكنّ تقريراً جديداً أعدّه نائب رئيس الحكومة السابق سعادة الشامي، وصدر عن معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، يحاول نقل النقاش من سؤال «هل نبيع الذهب؟» إلى سؤال آخر، هو كيف يمكن إدارة هذا الأصل الوطني من دون استهلاكه؟
يرفض التقرير استخدام الذهب لتغطية خسائر القطاع المالي أو لتعويض المودعين مباشرة. فالمشكلة، بحسبه، ليست في غياب أصل يمكن تسييله، بل في خسائر مصرفية ومالية لم تُعالج بعد عبر إعادة هيكلة واضحة. وإذا استُخدم الذهب لهذه الغاية، فإن الخسائر تنتقل عملياً من المصارف وأصحاب المصالح إلى الميزانية العامة. وهذا يعني تحميل المجتمع كلفة الأزمة، إمّا عبر استنزاف أصل وطني نادر، أو عبر ضرائب أعلى، أو عبر ضغط إضافي على الإنفاق العام والخدمات الاجتماعية. لذلك، يتعامل التقرير مع الذهب كأصل وطني يمكن، ضمن شروط صارمة، أن يُدار بطريقة تولّد دخلاً طويل الأمد وتساعد الاقتصاد على استعادة النمو.
يذكّر التقرير بأن لبنان بدأ تكوين احتياطيّاته الذهبية بعد الاستقلال، مع أول عملية شراء مُسجّلة عام 1948، قبل أن تتراكم الكمية الأساسية في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. وبحلول عام 1971، بلغت حيازة لبنان نحو 9.21 ملايين أونصة، أي نحو 287 طناً. ومنذ ذلك الحين توقّف لبنان عملياً عن شراء الذهب، لكنه حافظ على موجوداته.
اليوم، يُعدّ هذا الاحتياطي من الأكبر عالمياً قياساً إلى حجم الاقتصاد، والثاني عربياً من حيث القيمة بعد السعودية، مع وجود نحو ثلثيه في مصرف لبنان وثلثه الآخر في الخارج، لدى الاحتياطي الفدرالي في نيويورك. أمّا من الناحية القانونية، فيتمتع الذهب بحماية خاصة.
فالقانون الرقم 42 الصادر عام 1986 يمنع بيع الذهب أو تأجيره أو التصرّف به من دون موافقة مجلس النواب. هذه الحماية، بحسب التقرير تشير إلى اعتبار الذهب احتياطياً استراتيجياً محفوظاً باسم اللبنانيين، لا مجرّد بند في ميزانية مصرف لبنان. لكنّ الشامي لا يدعو إلى إبقاء الذهب مُجمّداً إلى الأبد.
فالفكرة الأساسية التي يطرحها هي إنشاء «صندوق وطني للذهب»، تُحوَّل إليه حصة محدودة ومُصرّح بها قانونياً من الاحتياطي، على أن يبقى جزء كبير من الذهب محفوظاً كاحتياطي مادي غير مرهون. وظيفة الصندوق ليست تمويل الإنفاق الجاري أو تسديد خسائر المصارف، إنما استثمار جزء من الأصل بطريقة مهنية، عبر محفظة عالمية متنوّعة، بما يسمح بتوليد دخل سنوي مستدام.
ويقترح الشامي في تقريره أن يُدار الصندوق ضمن ضوابط قانونية ومؤسّسية مشدّدة، مع حماية رأس المال، ومنع استخدام أصوله لسدّ العجز أو تمويل تعويضات مباشرة للقطاع المالي. ولا يُسمح بالإنفاق إلّا من العوائد، وفق قاعدة توزيع تحفظ القيمة الحقيقية للأصل مع الوقت. ويعرض التقرير ثلاثة سيناريوات للعائد السنوي الصافي وهي 5% في السيناريو المحافظ، و7% في السيناريو الأساسي، و9% في السيناريو المتفائل، مع سقف توزيع سنوي بحدود 4% من قيمة الأصول في بداية السنة. في السيناريو الأساسي، تُظهِر المحاكاة أن أصول الصندوق يمكن أن ترتفع إلى نحو 36.1 مليار دولار بعد 20 عاماً، فيما يبدأ الدخل القابل للتوزيع من نحو مليار دولار سنوياً، ويرتفع تدريجياً مع نمو الأصول.
أمّا في السيناريو المتفائل، فقد تصل الأصول إلى نحو 53.1 مليار دولار، بينما تبقى قادرة على توليد تدفّقات سنوية أعلى. حتى في «سيناريو الإجهاد» (stress scenarios) الذي يفترض عائداً صفرياً في أول عامين، يعود الصندوق إلى النمو لاحقاً ليبلغ نحو 31.4 مليار دولار بعد 20 عاماً.
لكنّ الفكرة تبقى، أين تُستخدم هذه العوائد؟ يجيب التقرير بأن الأولوية يجب أن تكون للاستثمار في قطاعات ترفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وفي مقدّمها الكهرباء والطرقات. ففي الكهرباء، يقدّر التقرير أن لبنان يحتاج إلى محطتين بقدرة إجمالية تقارب 1650 ميغاواط، بكلفة تقارب ملياري دولار، بما يكفي لتلبية الطلب الطبيعي على الطاقة. ويطرح التقرير فكرة استخدام عوائد الصندوق كجزء من بنية ضمان أو تمويل مُكمّل، على أن يأتي التمويل الأساسي من مصادر خارجية مُيسّرة أو تمويلات مشروع.
الفكرة هنا أن حلّ أزمة الكهرباء لا يعني فقط زيادة التغذية. فلبنان يعيش منذ سنوات على نظام كهربائي مزدوج: مؤسّسة عامة ضعيفة، واقتصاد مولّدات خاص مُكلِف ومُلوِّث. ويرى التقرير أن استبدال هذا النموذج بإمداد كهربائي أكثر استقراراً يمكن أن يوفّر بين 0.9 و1.2 مليار دولار سنوياً عند اكتمال التشغيل، نتيجة خفض كلفة المولّدات والديزل والصيانة والهدر. كما يمكن أن يرفع نمو الناتج المحلي بنحو نقطة مئوية سنوياً خلال السنوات الخمس الأولى، قبل أن يستقر الأثر لاحقاً عند مستوى أقل لكنه مستمر. أمّا في ما يخص قطاع النقل، فيربط التقرير بين تدهور البنية التحتية وارتفاع كلفة النقل والإنتاج.
فالطرقات السيئة تعني وقتاً أطول، كلفة صيانة أعلى، استهلاكاً أكبر للوقود، وضعفاً في ربط المناطق والأسواق. لذلك، فإن برنامجاً مُتدرِّجاً لتأهيل شبكة الطرقات، إلى جانب الاستثمار في الكهرباء، يمكن أن يرفع الناتج المحلي بنحو 5% إلى 7% فوق المسار الأساسي خلال خمس سنوات، أي ما يعادل 1.5 إلى 2.1 مليار دولار إضافية في السنة الخامسة، انطلاقاً من اقتصاد يُقدّر حجمه بنحو 30 مليار دولار. وعلى مدى خمس سنوات، يمكن أن يضيف البرنامج بين 3 و5 مليارات دولار إلى الناتج التراكمي. يربط التقرير بين هذا النمو واسترداد الودائع، لكن بطريقة غير مباشرة. فاسترداد الودائع، بحسب المقاربة المطروحة، لا يأتي من بيع الذهب وتوزيع قيمته، بل من توسيع الاقتصاد، وزيادة الإيرادات العامة، وثقة أفضل، وقطاع مصرفي مُعاد هيكلته.
فإذا ارتفع الناتج بفعل الاستثمار في البنية التحتية، يمكن أن تزيد الإيرادات الضريبية من دون رفع المعدّلات، ما يوسّع قدرة الدولة على المساهمة في آليات استرداد الودائع. ويقدّر التقرير أن زيادة في الناتج بين 1.5 و2 مليار دولار قد تولّد بين 180 و300 مليون دولار من الإيرادات السنوية الإضافية، على أساس نسبة إيرادات ضريبية إلى الناتج بين 12% و15%.
لكنّ التقرير يشدّد على أن هذه الآلية لا يمكن أن تنجح وحدَها. فالعوائد والاستثمارات لن تعوّض غياب الإصلاحات، ومن دون إعادة هيكلة مصرفية، واعتراف واضح بالخسائر، وإصلاح مالي، وحوكمة فعلية للكهرباء ومؤسسات الدولة، يتحوّل أي إنفاق على البنية التحتية إلى كلفة جديدة بدل أن يكون استثماراً مُنتِجاً.
بهذا المعنى، لا يقدّم التقرير الذهب كحل سحري للأزمة. هو يقترح إطاراً مختلفاً لإدارته، يتمثّل بحماية الجزء الأكبر منه، واستثمار جزء محدود عبر صندوق مستقل ومحكوم بقواعد صارمة، واستخدام العوائد في مشاريع ترفع النمو وتدعم استرداد الودائع تدريجياً. جوهر الطرح أن الودائع لا تُستعاد عبر استهلاك آخر ما بقي من الثروة الوطنية، بل عبر إعادة بناء اقتصاد قادر على توليد ثروة جديدة.
الخلاصة من التقرير واضحة، فإذا استُخدم الذهب لإطفاء الخسائر، فقد يخسر لبنان أصله الاستراتيجي من دون أن يستعيد الثقة. أمّا إذا أُدير ضمن إطار مؤسسي قوي، فقد يتحوّل من احتياطي جامد إلى مصدر دخل طويل الأمد.
ماهر سلامة - الاخبار